العلامة المجلسي
111
بحار الأنوار
وسلكوا منهاجهم ، وألطفوا الفكر ، وانتفعوا بالعبر ، وصبروا في هذا العمر القصير من متاع الغرور الذي يعود إلى الفناء ، ويصير إلى الحساب . نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا ، ولم ينتظروا إلى أولها ، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها ، وفكروا في مرارة عاقبتها ، فلم يستمرئهم ( 1 ) حلاوة عاجلها ثم الزموا أنفسهم الصبر ، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح ، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها ، فكل من مر بها أمسك على فيه ، فهم يتبلغون بأدنى البلاغ ، ولا ينتهون إلى الشبع من النتن ، ويتعجبون من الممتلي منها شبعا ، والراضي بها نصيبا . إخواني ! والله لهي في العاجلة والاجلة - لمن ناصح نفسه في النظر ، وأخلص لها الفكر - وأنتن من الجيفة ، وأكره من الميتة ، غير أن الذي نشأ في دباغ الإهاب لا يجد نتنه ، ولا تؤذيه رائحته ، ما تؤذي المار به ، والجالس عنده ، وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه بأن من مات وخلف سلطانا عظيما ، سره أنه عاش فيها سوقة خاملا ، أو كان فيها معافا سليما سره أنه كان فيها مبتلى ضريرا ، فكفى بهذا على عورتها والرغبة عنها دليلا . والله لو أن الدنيا كانت من أراد منها شيئا وجده حيث تنال يده من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب ، ولا ظعن ولا دأب ، غير أن ما أخذ منها من شئ لزمه حق الله فيه ، والشكر عليه ، وكان مسؤولا عنه محاسبا به ، لكان يحق على العاقل أن لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه ، حذرا من السؤال ، وخوفا من الحساب وإشفاقا من العجز عن الشكر ، فكيف بمن تجشم في طلبها من خضوع رقبته ، ووضع خده ، وفرط عنائه ، والاغتراب عن أحبابه ، وعظيم أخطاره ، ثم لا يدري ما آخر ذلك ؟ الظفر أم الحنيبة ؟ . إنما الدنيا ثلاثة أيام : يوم مضى بما فيه فليس بعائد ، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه ، ويوم لا تدري أنت من أهله ، ولعلك راحل فيه ، أما اليوم الماضي
--> ( 1 ) استمرء الطعام : استطيبه وعده ووجده مريئا .